زكريا القزويني

506

آثار البلاد واخبار العباد

يغيض بين ماردة وبطليوس ، ثمّ يبدو وينصبّ في البحر المحيط . وامتداده ثلاثمائة وعشرون ميلا ؛ كلّ ذلك عن العذري . أنقرة مدينة مشهورة بأرض الروم ، تقول العجم انكورية ، غزاها الرشيد وفتحها ؛ قال بسيل الترجمان : كنت مع الرشيد لمّا فتحها . رأيت على باب الحصن كتابة باليونانيّة ، فجعلت أنقلها والرشيد ينظر إليّ ، فإذا هي : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الملك الحقّ المبين . يا ابن آدم غافص الفرصة عند إمكانها ، وكل الأمور إلى واليها ، ولا يحملنّك إفراط السرور على ما تمّ ، ولا تحملنّ على نفسك همّ يوم لم يأتك ، فإنّه إن لم يأت من أجلك يأت اللّه برزقك فيه ، ولا تكن أسوة للمغرورين في جمع المال ، فكم قد رأينا من جمع لبعل حليلته ، على أن يعتبر المرء على نفسه توفير الخوان غيرة . وحكي أن في زمن المعتصم تعدّوا على رجل من أهل العراق بأرض أنقرة ينادي يا معتصماه ! فقالوا : اصبر حتى يأتي المعتصم على الأبلق ينصرك ! فوصل هذا القول إلى المعتصم ، فأمر بشري كلّ فرس أبلق في مملكته . وذهب إلى الروم ونهب أنقرة ، وكان على باب مدينتها مصراعان من الحديد مفرطا الطول والعرض ، حملهما إلى بغداد وهما الآن على باب العامة ، باب من أبواب حرم الخلافة . باب الأبواب مدينة عجيبة على ضفة بحر الخزر ، مبنية بالصخور ، وهي مستطيلة يصيب ماء البحر حائطها . طولها مقدار ثلثي فرسخ وعرضها غلوة سهم . عليها أبواب من الحديد ، ولها أبراج كثيرة ، على كلّ برج مسجد للمجاورين والمشتغلين بالعلوم الدينيّة ، وعلى السور حرّاس تحرس من العدوّ .